كيف كان ابن سينا ينجز أكثر منك؟
ليس لأنه أذكى، بل لأنك تعمل بنظام تشغيل خاطئ. تشريح بيولوجي لانهيار الإنتاجية الحديثة.
ليس لأنه أذكى، بل لأنك تعمل بنظام تشغيل خاطئ. تشريح بيولوجي لانهيار الإنتاجية الحديثة.
أنا طبيب عيون. حياتي ظاهرياً مكرسة لـ “التحسين المستمر”. أحمل شهادة في الطب الغذائي، وأفهم بيولوجيا طول العمر. أعامل جسدي كآلة عالية الأداء؛ أتدرب بعد نوبات العمل، أحسب سعراتي بدقة، وأحسن جودة نومي.
بكل المقاييس الحديثة، يجب أن أكون في ذروة كفاءتي.
لكن، هذا هو واقعي: أعمل 40 ساعة أسبوعياً في العيادة. وحين أعود للمنزل، لا أكون “محسّناً”، بل مستنزفاً. دماغي يشبه منشفة معصورة. عزائي الوحيد هو عطلة نهاية الأسبوع، حيث أحاول يائساً استجماع ما يكفي من الطاقة الذهنية للعمل على مشاريعي الجانبية.
ثم نظرتُ إلى بيانات القرن العاشر الميلادي.
نظرتُ إلى رجال مثل ابن سينا. لم يكن مجرد كاتب؛ كان طبيباً ممارسًا مثلي. عالج المرضى، وشغل منصب وزير، وقضى سنوات هارباً من الملاحقة السياسية.
لم يكن لديه نادٍ رياضي، ولا مكملات غذائية، وكان يكتب على ضوء الشمعة الخافت.
ومع ذلك، كتب ابن سينا “كتاب الشفاء” (موسوعة ضخمة في العلم والفلسفة)، وكتب “القانون في الطب” الذي يتجاوز مليون كلمة. ويُقدر إجمالي أعماله بنحو 450 مؤلفاً.
هذه المقارنة تؤرقني. ليس حسداً منه.
أمتلك إنترنت بالألياف الضوئية، ووصولاً لكل مكتبات العالم، وتغذية يحسدني عليها الملوك. ومع ذلك، شعرت بافتقار تام لـ “البركة”. وقتي يبدو ضيقاً، هارباً مني. بينما وقتهم كان يبدو واسعاً ولانهائياً.
كيف فعلها ابن سينا وعلماء العصر الذهبي؟
السردية الحديثة تقدم تفسيراً كسولاً: “كانوا طفرات جينية. كانوا عباقرة. كانوا حالات استثنائية“. نقول لأنفسنا إن المعرفة كانت قليلة آنذاك، لذا كان “أسهل” أن تتقن كل شيء.
أعتقد أن هذه كذبة نخبر بها أنفسنا لنشعر بالرضا عن ركودنا.
أؤمن بأن الفرق ليس في “الموهبة”. الفرق يكمن في “التصميم المعماري لليوم”.
الجزء الأول: السرقة الكبرى
لفهم سبب معاناتي، كان عليّ التوقف عن النظر إلى “ما أفعله” (عمل + رياضة)، والبدء في النظر إلى “الوعاء الزمني” الذي أعيش فيه.
نظام العمل من 9 إلى 5 ليس مجرد عادة؛ إنه “خلل برمجي”. نحن نحاول تشغيل برمجيات القرن الحادي والعشرين (العمل العميق) على أجهزة القرن التاسع عشر (توقيت المصانع).
لقد قمت بتحليل تاريخ العمل البشري لأكتشف اللحظة التي فقدنا فيها عقولنا، ووجدت أننا مررنا بثلاث حقب متميزة.
الحقبة الأولى: خط الأساس الطبيعي (ما قبل 1750)
المقياس: إنجاز المهمة.
قبل الآلة، كان الوقت يقاس بـ “العمل” نفسه. كنت تحلب الأبقار حتى تفرغ. تحصد الحقل حتى ينتهي.
ساعات العمل: حوالي 1400 ساعة سنوياً.
الحمل المعرفي: العمل كان مكثفاً لكنه “موسمي”. كان يتبع الشمس. لم يكن هناك “قلق الساعة” لأن الساعة لم تكن مديرك؛ المهمة كانت هي المدير.
الحقبة الثانية: الصدمة الصناعية (1800 – 1900)
المقياس: الانضباط الزمني.
المحرك البخاري غير كل شيء. الآلة لا تتعب، لذا فهي تعمل 24/7. ولكي يواكب البشر الآلة، كان عليهم أن يتحولوا إلى آلات.
ساعات العمل: قفزت إلى أكثر من 3000 ساعة سنوياً (14-16 ساعة يومياً).
النتيجة: انهيار جسدي كامل. العمال ماتوا صغاراً، أصيبوا باستمرار، والأهم من ذلك: كانوا منهكين جداً لدرجة أنهم لم يفعلوا شيئاً سوى النوم.
الحقبة الثالثة: حسابات فورد (1926 - حتى الآن)
نحن تعلمنا أن يوم العمل ذي الـ 8 ساعات كان انتصاراً للنقابات العمالية. وبينما حاربت النقابات بشجاعة لأجله، إلا أن اعتماده عالمياً كان بفضل هنري فورد.
فورد لم يكن فاعل للخير؛ كان عبقرياً رأسمالياً. أدرك خللاً جوهرياً في يوم الـ 16 ساعة: العامل الذي يعمل طوال اليوم لا يملك وقتاً لإنفاق المال. إذا كنت تريد بيع الملايين من سيارات “موديل تي”، فأنت تحتاج إلى سكان لديهم:
مال (أجور).
وقت (أمسيات/عطلات) لقيادة السيارات.
كانت “السرقة” عبارة عن مقايضة تجارية. النظام الصناعي أعطانا “وقت فراغ”، لكنه في المقابل طالب بـ “ذروة الطاقة”. الصفقة كانت: “سنعطيك 8 ساعات راحة، لكن خلال ساعات عملك، يجب أن تعمل بشكل متواصل، خطي، وبلا هوادة”.
الخلل الحديث
هذا النظام نجح مع العمل البدني. إذا كنت تشد البراغي لمدة 8 ساعات، ستتعب عضلاتك، لكن عقلك يظل حراً.
لكن بالنسبة لعمال المعرفة (أطباء، مبرمجين، كتّاب)، هذه الصفقة عملية احتيال. نحن لا نستخدم العضلات؛ نحن نستخدم “قشرة الفص الجبهي” (التركيز).
علم الأعصاب يؤكد: الدماغ يستنفد الجلوكوز والنواقل العصبية بعد 3-4 ساعات من التركيز المكثف.
من خلال إجبار “الطبقة المفكرة” على العمل بجدول “الطبقة العاملة”، يقوم النظام باستخراج كل قطرة من طاقتنا الإدراكية. نغادر المكتب ولدينا “وقت” في الساعة، لكن “صفر طاقة” في الخزان.
نحن أحرار لنستهلك، لكننا منهكون جداً لنبدع.
هذه هي السرقة. لم يسرقوا وقتك، بل سرقوا طاقتك. وبدون طاقة، “وقت الفراغ” هو مجرد وقت للتعافي، وليس للحياة.
الجزء الثاني: الاستثناء
بمجرد أن أدركت أن يوم العمل الحديث هو سرقة بيولوجية، طرحت السؤال المنطقي التالي:
كيف كان شكل حياة “الرجال الأحرار”؟ أسلافنا العباقرة في العصر الذهبي للإسلام.
نظرت في حياة “البيروني”، الذي قضى حياته مسافراً مع الجيوش، وغالباً في أراضٍ معادية. وبدون مكتب مستقر، ألّف 146 كتاباً.
نظرت في حياة “الرازي”، الذي أدار مستشفى في بغداد. ورغم العبء الإداري، كتب “الحاوي في الطب” (23 مجلداً).
نظرت في “النووي”، الذي مات وعمره 45 عاماً فقط، وترك تراثاً فقهياً وروحياً يوجد في كل مسجد اليوم.
في العيادة الحديثة، أسمع الزملاء يتحدثون عن “توازن العمل والحياة”. العبارة بحد ذاتها اعتراف بالهزيمة. إنها تعني أن “العمل” سم يجب موازنته بـ “الحياة”.
الموسوعيون لم يعملوا بهذه الطريقة. بالنسبة لابن سينا، الطب لم يكن “وظيفة”، والفلسفة لم تكن “هواية”. كان الأمر كله نسيجاً واحداً من الفضول.
لم يكن لديهم “توازن عمل وحياة”، كان لديهم شيء أرقى بكثير: “تكامل الحياة”.
العيادة والباحة السماوية
لفهم إنتاجيتهم، قارنت بيئة عملي ببيئتهم.
أنا أعمل في صندوق بلا نوافذ (غرفة فحص العيون). ستائر معتمة، وضوء صناعي. أنا أعمل في كهف عالي التقنية، وأستخدم مصابيح صناعية لأعتذر لبيولوجيتي عن غياب الشمس.
علماء العصر الذهبي عاشوا في واقع معاكس. المدارس القديمة كانت تتمحور حول “فناء مفتوح” للسماء. كانوا يعملون في عين النهار، بينما أعمل أنا رغماً عنه. هل من المستغرب أن إنتاجي أقل؟ أنا أحارب بيئتي كل ساعة.
الحصانة الاقتصادية
نحن مبرمجون على الاعتقاد بأن “الراتب” هو الأمان الذي نحتاجه. لكنني أدركت أن الراتب في الحقيقة هو طوق. قد يستغني عنك صاحب العمل في أي وقت.
محركي الحديث يعمل بوقود “العمل للنجاة”. إذا توقفت عن العمل هذا الشهر، سأكون في خطر الشهر القادم. هذا يخلق ارتفاعاً مزمن من الكورتيزول يستهلك طاقتي الذهنية.
المحرك القديم كان يعمل بوقود “الوقف”. العالم الممول من الوقف لم يكن موظفاً؛ كان أصلاً سيادياً. تم قطع الرابط بين “الوقت المقضي” و”المال المكتسب”.
اي عالم كان بإمكانه قضاء 10 سنوات في كتابة كتاب واحد دون قلق من النوم في العراء.
البنية التحتية للعقل
البيولوجيا فسرت لي كيف حافظوا على طاقتهم، لكنها لم تفسر كيف استطاعوا استيعاب هذا الكم الهائل من العلوم المختلفة. كان هناك سر “هيكلي” في طريقة بناء عقولهم منذ الصغر، شيء افتقدتهُ أنا تماماً في تعليمي الحديث.
تعليمنا اليوم يعلمنا “كيف نبحث عن المعلومة”في المراجع والانترنت. تعليمهم كان يعلمهم كيف “يكونوا هم المكتبة”.
قوة “الحفظ” كبنية تحتية: نظرتُ إلى طفولتهم، فوجدتُ نمطاً ثابتاً: الطفل في العاشرة قد أتم حفظ القرآن كاملاً، وآلافاً من أبيات الشعر، وقواعد المنطق واللغة.
بنظرتنا الحديثة المتعالية، نسمي هذا “حفظاً أصم” أو “تلقيناً”. لكنني أراه الآن بعين الطبيب كعملية “تثبيت لنظام التشغيل”.
عندما يحفظ الطفل نصوصاً لغوية ذات تراكيب معقدة (القرآن والشعر) وقوانين التفكير السليم (المنطق) في سن المرونة العصبية القصوى، هو لا يخزن معلومات فقط. هو يقوم ببناء “بنية تحتية عصبية” صلبة جداً.
تخيل عقلك كشبكة. في التعليم الحديث، الشبكة واسعة ومهلهلة؛ المعلومات الجديدة تعبر من خلالها وتضيع. في تعليمهم، الشبكة كثيفة ومترابطة بفضل المحفوظات التأسيسية. أي معلومة جديدة تأتي لاحقاً (طب، فلك، هندسة) لا تطفو في الفراغ، بل تجد “نقاط ارتكاز” تلتصق بها فوراً.
هم لم يكونوا “أذكياء” بالصدفة. هم بنوا الأساسات الخرسانية أولاً، بينما نحاول نحن تعليق اللوحات على جدران من ورق.
الجزء الثالث: الوصفة الطبية
لا أستطيع هدم جدران عيادتي، ولا يوجد خليفة يمنحني وقفاً مالياً. فكيف أحاكي هذا النظام؟ قمتُ بتصميم “بروتوكول محاكاة” و احاول تطبيقه على نفسي، وقسمتهُ بناءً على المرحلة العمرية والمهنية:
1. مرحلة “المتدرّب” (ما سأفعله مع أطفالي)
الهدف: بناء البنية التحتية.
قاعدة الأرشفة: سأتوقف عن تشتيت الطفل بخمس هوايات سطحية. أولويتي الآن هي “التثبيت” قبل “التوسع”.
النافذة الذهبية: بين سن 5 و15، الدماغ آلة امتصاص. سأجعلهم يحفظون القرآن (لبناء المعجم اللغوي والذاكرة)، والشعر، والمنطق.
السيادة التسلسلية: لن أنقلهم لعلوم معقدة قبل صب الأساسات. سأعطيهم “قاعدة البيانات” الآن، لكي يتمكنوا من معالجة “الخوارزميات المعقدة” لاحقاً.
2. مرحلة “المُشغِّل” (ما أفعله أنا كطبيب)
الهدف: حماية الطاقة داخل القفص.
الفجر: أول 30-60 دقيقة من يومي هي ملكي، وليست لمديري. أستيقظ قبل العالم. لا هاتف. لا مدخلات. أستخدم ذروة الكورتيزول الصباحية لعملي الإبداعي الخاص.
الفصل الجراحي: إذا اصطدمتُ بحائط التعب الساعة 1 ظهراً، لا أقاوم. أستخدم 20 دقيقة من “
الراحة العميقة غير النوم” (NSDR)
في سيارتي. أقطع يومي نصفين، وأبدأ “يومي الثاني” الساعة 1:30 ظهراً.
3. مرحلة “السيادي” (خطتي للتحرر)
الهدف: الانتقال من قلق الرزق إلى الأمان.
الوقف الرقمي: الحل القديم لقلق الراتب كان الوقف المالي. حلي الحديث هو “البناء في العلن”. أخصص عطلة نهاية الأسبوع لبناء أصل رقمي (محتوى، معرفة، منتج). هذا هو “وقفي” الذي سيحررني تدريجياً من الحاجة للوظيفة.
التجويع الاستراتيجي: أحافظ على “دماغ جاف”. طالما الشمس في السماء وأنا أعمل، ألتزم بقاعدة “الثلث”. المعدة الممتلئة تعني عقلاً بطيئاً.
موت “الموسوعي” في داخلي لم يكن جريمة قتل. كان انتحاراً تم هندسته بعوامل خارجية. يمكنني لعب دور الضحية ولكن هذا لن يغير الواقع. لقد بنيتُ لنفسي عالماً من المعلومات اللانهائية، لكنني دمرتُ “الصمت” اللازم لمعالجتها. حسّنتُ جسدي بالرياضة والغذاء، لكنني تركتُ عقلي يعمل ببرمجيات المصانع القديمة.
أنا لا أزال أعمل في غرفة بلا نوافذ. لكنني لم أعد ضحية للسرقة. استعدتُ فجري. سيطرتُ على منتصف يومي. وعدتُ لترميم أساسات عقلي.
الخيار لك كما كان لي: يمكنك الاستمرار في العمل كـ “ترس” في الآلة والتساؤل لماذا تشعر بالفراغ أو يمكنك تثبيت “هندسة العظماء” واستعادة عقلك.
شكراً على وقتك وقرائتك
عصام شهلول







المقالات أنواع: بعضها يخاطب القلب والآخر يخاطب العقل والأخير يخاطب الروح، ومن النادر جداً أن تجد مقالاً يخاطب كل هؤلاء معاً، لكنك قد نجحت في ذلك.
العنوان بحد ذاته صفعة على خد القارئ، كيف استطاعوا ذلك، سؤال يوقظ صوت قديم كنت اسمعه في دهاليز عقلي، كيف استطاع أهالينا تربيتنا، لو كان والدي حياً ماذا سيقول الان، كيف فعلها جدي، ولكنك ذهبت إلى أبعد من هذا بكثير، بدأت بسؤال يخاطب العقول ثم خاطبت الأرواح المنهكة وعزفت على الضلوع والمشاعر بالساعة الرملية.
إنه مقال مهندس ومتكتك وقد تجد العديد يعلقون في السطور الاولى ولا يكملون القراءة لانهم سوف يصابون بالصداع، ولأنني اعلم أن هذه السطور قد تكون طوق نجاة لي أتيت راكضاً لأدون هذا التعليق، لعله يكون شكرا للتحفة التي صنعتها أناملك ولعله يكون تذكيراً لي أنني لست وحدي من يتحدث بصوتٍ عالي على الورق، لست وحدي الذي يلاحظ أن ثمة من يسرق الوقت من عقارب ساعتي، والشباب من وجه مرايتي، والمال من كل أرصدتي، بينما أنا أضع قدمي على مكتبي.
هذا النقال متواضع لحد يجعل العجرفة تستقيل، أنت وجدت الحل ولكن ماذا عن بقية الأسرى في غيبوبتنا الطويلة، أتعلم على العرب أن يخترعوا قانوناً جديداً ينص على أن على كل عربي أن يكتب كتاباً يجد فيه الخلاص
وفي هذة السلسلة او المجموعة او المكتبة او المتحف سنتذكر أنها فكرة عصامية استوحت اسمها من اسمك
شكرا لك
كلام كبير ويضع مسؤلية اكبر على عاتقي للبقاء عند حسن ظنكم وتوقعاتكم 🙏
شكراً جزيلاً ليك راكان