لماذا ستخسر دائماً (حتى لو عملت بجدية ابن سينا)؟
الجزء الأول: اللعبة المزورة وفخ اللاعب رقم 2 (نظرية الألعاب التي لا يخبرك بها أحد)
ملاحظة للقارئ: هذه الرسالة هي الجزء الأول من سلسلة تحليلية معمقة. عدد الكلمات يتجاوز الـ 4000 كلمة. أوصي بقراءتها في وقت تملك فيه صفاءً ذهنياً كاملاً وكوب قهوة. هذا ليس مقالاً للأوقات الميتة.
قبل أسبوع واحد، جلستُ أمام شاشتي وكتبت مقالاً عن “ابن سينا”.
لم أكن أكتب عن التاريخ. كنت أكتب عن الألم.
ألمي وألمك في محاولة إيجاد “الوقت” و”التركيز” في عالم مصمم لسرقتهما منا.
ما حدث بعد ذلك كان صدمة بالنسبة لي.
المقال انتشر كالنار في الهشيم. آلاف القراء، مئات التعليقات، وقائمة بريدية كانت فارغة تماماً امتلأت فجأة بباحثين عن الحقيقة مثلك.
هذا الزخم وضع على عاتقي مسؤولية لم أخطط لها.
أصبح زر “النشر” أثقل وزناً تحت إصبعي.
لأنني أدركت أنكم لا تبحثون عن “نصائح طبية” سريعة، ولا عن “حيل إنتاجية” سطحية.
أنتم هنا لأن هناك سؤالاً مؤلماً يطاردنا جميعاً. سؤال نهمس به في مجالسنا الخاصة، لكننا نخشى مواجهته في العلن.
بدأ هذا السؤال يطاردني فور انتهائي من كتابة المقال السابق:
“جميل أن نحاكي روتين علماء العصر الذهبي كأفراد ولكن ماذا عن النظام الذي نعيش فيه؟”
ما الفائدة من أن تمتلك “روتين” العظماء، إذا كنت تعيش داخل “نظام” مصمم هيكلياً لإنتاج الموظفين والتابعين؟
تحسين أداء الفرد داخل نظام مكسور هو مجرد مسكنات للألم. ونحن نحتاج إلى جراحة.
رحلة البحث عن إجابة قادتني من كتب التاريخ، إلى أروقة الاقتصاد، وصولاً إلى محاضرات البروفيسور جيانج في نظرية الألعاب (Game Theory).
هناك، تجمعت النقاط. وهناك، فهمتُ أخيراً لماذا نشعر بما نشعر به.
ولكن قبل أن نغوص في المعادلات والنظريات الجافة، دعوني أحكي لكم قصة قصيرة تشرح الوضع بوضوح مرعب.
عندما تصبح “لا أحد”
في مذكراتي الشخصية، وثقتُ اللحظة التي وطأت فيها قدماي أرض ألمانيا لأول مرة.
تلك اللحظة التي يعرفها كل مغترب.
لم أصل كـ “د. عصام، طبيب العيون” الذي تعرفونه.
وصلت كـ “علامة استفهام”.
تلك الشهادة الطبية التي تعبت لتحصيلها؟ وتلك السنوات بداية من تشريح الجسم السليم وفهم أسراره الى الجسم العليل وامراضه؟ تلك الامتحانات التي أكلت من شبابي؟
كلها كانت “حقيقية” تماماً في بلدي.
لكنها أصبحت “بلا وزن” بمجرد أن عبرت الحدود.
في النظام الجديد، لقب دكتور لم يسافر معي.
كان عليّ أن أبدأ من الصفر المطلق.
أن أتعلم لغتهم من الأحرف الأولى. أن أعيد دراسة الطب بمصطلحاتهم. أن أجلس لامتحاناتهم لأثبت لهم أن “يدي وعقلي” يستحقان الثقة.
كان شعوراً غريباً، مزيجاً من الذل والتحدي:
أن تكون كفؤاً، لكنك تشعر بالعجز التام.
كنت أعرف المعلومة في رأسي، واضحة كالشمس.
لكنني كنت أتعثر في ترجمتها بلسانهم.
لم تكن المشكلة في “قدراتي” العقلية. ولم تكن المشكلة أنني “أقل ذكاءً” من الطبيب الألماني الواقف بجواري.
المشكلة كانت أبسط وأعقد في آن واحد:
أنا دخلت “ملعباً” لست أنا من وضع قوانينه.
صاحب الأرض هو من يضع القواعد.
وهو من يحدد اللغة.
وهو من يملك “أختام القبول”.
وكان عليّ أن ألعب بقوانينهم، وبمعاييرهم، لكي يُسمح لي فقط بالدخول إلى الغرفة.
تلك اللحظة في المطار هي باختصار قصة أمتنا الإسلامية اليوم.
فخ “اللاعب رقم 2”
نحن حوالي 2 مليار مسلم حول العالم وفي ازدياد أكثر من أي أُمة أٌخرى وللّه الحمد.
هذا الرقم مهول ديموغرافياً.
نملك الموارد التي تحرك اقتصاد الكوكب. نملك الجغرافيا التي تتوسط العالم. نملك تاريخاً كتبنا فيه العلوم حين كان غيرنا لا يزال يبحث عن أبجدياته.
ولكن، مثل “عصام” في أيامه الأولى في ألمانيا، نحن اليوم “بلا وزن” على الطاولة العالمية.
انظر حولك بصدق:
لماذا يبدو أن كل ما نلمسه يتعثر؟
لماذا نحن المستهلكون للتكنولوجيا، وهم المنتجون؟
لماذا نحن من يترجم كتبهم، وهم لا يكادون يعرفون أسماء جامعاتنا؟
لماذا يبدو أن “الطرف الآخر” (الغرب، أو حتى القوى الصاعدة مثل إسرائيل التي لا تتجاوز 15 مليون نسمة) يمسكون بمفاتيح اللعبة بإحكام؟
التفسير السهل والمريح هو “المؤامرة”.
أن نقول: “هم يحاربوننا”. “هم يمنعوننا”.
هذا التفسير يريح الضمير، لكنه لا يحل المشكلة.
التفسير الحقيقي، والأكثر إيلاماً، وجدته في الرياضيات.
وتحديداً في فرع يسمى “تصميم الآليات” (Mechanism Design) داخل نظرية الألعاب.
في أي لعبة استراتيجية في العالم، هناك نوعان من المشاركين:
المصمم (The Designer): الشخص الذي يضع القواعد، يملك البنك، ويحدد معايير الفوز والخسارة.
اللاعب (The Player): الشخص الذي يحاول الفوز باتباع تلك القواعد.
مشكلتنا التاريخية ليست أننا لا نعمل بجد.
نحن نعمل بجدية قاتلة. طلابنا يسهرون الليالي، ومهندسونا يبنون ناطحات السحاب، وأطباؤنا يهاجرون لتعلم أحدث العلاجات.
مشكلتنا أننا نحاول الفوز في لعبة “مصممة هيكلياً” ليفوز بها المصمم فقط.
نحن نحاول إبهارهم بجوائز “نوبل” التي يمنحونها هم، وفق معاييرهم هم.
نحاول بناء اقتصاد يقاس بمعيار (GDP) الذي صمموه لخدمة نموذجهم الاستهلاكي.
نحاول نشر أبحاثنا في مجلاتهم (Nature & Science)، بلغتهم، وتحت شروطهم، لنحصل على “صك الغفران” الأكاديمي.
لقد قبلنا طواعية دور “اللاعب رقم 2”.
وفي نظرية الألعاب، هناك قاعدة ذهبية وقاسية:
“إذا قبلت اللعب بقوانين خصمك، فإن احتمالية فوزك تقترب من الصفر.”
أنت في هذه الحالة لا تلعب لتربح. أنت تلعب لتظل “تابعاً جيداً”.
في هذه السلسلة من الرسائل، لن أبيعكم “تفاؤلاً ساذجاً”. ولن أحدثكم عن أمجاد الماضي لنبكي عليها.
سنقوم بتشريح الواقع بمشرط الجراح.
سنستخدم الأرقام، والدراسات، ونظرية الألعاب لنفهم كيف تم تصميم “رقعة الشطرنج” العالمية لضمان بقائنا في الخلف.
والأهم من ذلك سنبحث كيف كسر أجدادنا (في العصر الذهبي) هذه المعادلة.
كيف رفضوا أن يكونوا “اللاعب رقم 2”، وكيف صمموا لعبتهم الخاصة التي أجبرت العالم كله على القدوم إليهم.
الأمر ليس مجرد اقتصاد أو سياسة.
إنها مسألة وجود.
فخ “بنك الحظ”
دعنا نبتعد قليلاً عن النظريات المجردة، ولنلعب لعبة نعرفها جميعاً.
تخيل أنك دُعيت إلى سهرة مع أصدقاءك للعب “بنك الحظ”.
ولكن، عندما وصلتَ إلى الطاولة، اكتشفتَ أن اللعبة قد بدأت بالفعل منذ أربع ساعات.
اللاعب الجالس أمامك (لنسمّه “اللاعب الأول”) يمتلك بالفعل الفنادق الحمراء على أغلى العقارات، يسيطر على كل المحطات، ويحتفظ بكومة ضخمة من النقد في خزنته؛ بينما أنت، الواصل حديثاً، لا تملك في جيبك سوى الـ 200 دينار التي تُعطى كبداية، ونرد صغير في يدك.
أنت متحمس، ولديك “أمل”.
تقول لنفسك: “أنا ذكي، وسأركز جيداً، وسأرمي النرد بمهارة، وربما.. ربما أستطيع الفوز.”
وهنا تكمن المأساة الرياضية التي نعيشها كأمة.
أنت تعتقد أن اللعبة تعتمد على “مهارتك” في رمي النرد، أو على اجتهادك في حساب الخطوات، وعلى حظك، بينما الحقيقة القاسية التي تخبرها الرياضيات لنا هي أنك دخلت في معادلة خاسرة.
مهما كانت رمية النرد موفقة، ومهما تحركت بذكاء، فإن كل خطوة ستخطوها على تلك الرقعة ستكلفك “إيجاراً” تدفعه لصاحب الأرض.
كل دورة تكملها حول الرقعة ستزيدك فقراً وتزيده غنى، ليس لأنه “أذكى” منك، ولكن لأنه يملك “الأصول” التي تعتمد عليها حركتك ذاتها.
هذا المشهد المتخيل ليس مجرد لعبة لوحية؛ إنه التجسيد الحرفي لموقعنا في النظام العالمي الحديث، وهو ما يقودنا إلى أخطر مفهوم في نظرية الألعاب: “تصميم الآليات” (Mechanism Design).
ما وراء اللعبة: هندسة الخسارة
في نظرية الألعاب الكلاسيكية (التي يدرسها الاقتصاديون عادة)، نسأل: “كيف يمكن للاعب ذكي أن يتخذ أفضل قرار ممكن ضمن قواعد معينة؟”.
لكن هناك مستوى أعمق وأخطر، وهو ما يُسمى بـ “تصميم الآليات”، أو ما يطلق عليه أحياناً “نظرية الألعاب العكسية”.
في هذا المستوى، السؤال ليس “كيف ألعب؟”، بل “كيف أصمم القواعد بحيث تؤدي اللعبة -مهما فعل اللاعبون- إلى النتيجة التي أريدها أنا؟”.
عندما ننظر إلى النظام العالمي اليوم -من الاقتصاد إلى التعليم، ومن التكنولوجيا إلى السياسة- نكتشف بوضوح مرعب أننا لا نعيش في “سوق حرة” ولا في “ساحة منافسة عادلة”، بل نعيش داخل “آلية مصممة” بدقة متناهية لخدمة المصمم.
المصمم هنا (الغرب، والنظام المالي الذي يقوده) لم يترك الفوز للصدفة.
لقد وضع القواعد التي تجعل “اجتهادنا” نحن، يصب في مصلحته هو.
وهنا نصل إلى النقطة التي يغفل عنها الكثيرون عند الحديث عن “التأخر الحضاري”: نحن نظن أننا متأخرون لأننا كسولون، بينما الحقيقة هي أننا نركض بأقصى سرعة، ولكننا نركض فوق “جهاز سير متحرك” يملكه غيرنا؛ كلما ركضنا أسرع، كلما ولّدنا طاقة تحرك ماكينتهم هم.
دعنا نفكك هذه “الآلية” إلى مكوناتها الثلاثة الرئيسية التي تمثل “الفنادق” التي يملكونها على رقعة الشطرنج العالمية، والتي ندفع لها الإيجار يومياً دون أن نشعر.
الفندق الأول: البنك (مصيدة القيمة)
في لعبة بنك الحظ، من يملك البنك يملك اللعبة (إذا كُنتِ الأخت أو كُنت الأخ الأكبر في العائلة، فأنت تعرف جيداً ما أقصد). وفي واقعنا، هذا يتمثل في النظام المالي العالمي.
نحن، كدول ومجتمعات، نملك “القيمة الحقيقية”.
نحن من نستخرج النفط من باطن الأرض، ونحن من نزرع الغذاء، ونحن من نملك المعادن النادرة، ونحن من نقدم “الوقت” البشري (الشباب العامل).
هذه أشياء حقيقية، ملموسة، ولها قيمة ذاتية.
في المقابل، ماذا يملك “اللاعب الأول”؟
هو يملك “المطبعة”.
هو يملك الحق الحصري في طباعة “الأوراق” (الدولار واليورو) التي تم الاتفاق عالمياً على أنها مقياس القيمة.
عندما نبيع نفطنا (الذي استغرق ملايين السنين ليتكون) مقابل دولاراتهم (التي استغرق طباعتها بضع ثوانٍ)، نحن ندخل في صفقة خاسرة بمقاييس الفيزياء والاقتصاد.
هم يحصلون على “طاقة” ومادة، ونحن نحصل على “وعد” ورقي تنخفض قيمته سنوياً بسبب التضخم الذي يصنعونه هم.
هذا ليس مجرد “اقتصاد”؛ هذا هو التطبيق العملي لمبدأ في نظرية الألعاب يسمى “استخراج الريع” (Rent Extraction).
المصمم وضع آلية تجعلنا نركض لجمع الأوراق التي يطبعها هو، مما يجعله دائماً في موقع “الدائن” ويجعلنا في موقع “المدين”.
وحتى عندما نحاول “الاستثمار”، فإننا نضع فوائض أموالنا في سندات خزانة أمريكية أو في بنوك غربية، أي أننا نعيد المال إليهم ليقرضونا إياه مرة أخرى بفوائد!
هل رأيت عبثية أكثر من أن يعطيك شخص ورقة، فتعطيه منزلاً، ثم تعيد له الورقة ليحفظها لك، فيقرضك إياها لتشتري أثاثاً للمنزل الذي أعطيته إياه؟
الفندق الثاني: “الاعتماد المعرفي” (مصيدة العقول)
إذا كان المال هو وقود اللعبة، فالمعرفة هي محركها. وهنا نجد “الفندق” الثاني والأكثر خطورة: الجامعات ومراكز الأبحاث الغربية.
لقد تم تصميم “آلية” العلم الحديث بحيث يكون الغرب هو “المصادق” الوحيد للحقيقة.
فكر معي: متى نعتبر الطبيب العربي “ناجحاً”؟
عندما يحصل على “البورد” الأمريكي أو الزمالة البريطانية.
متى نعتبر البحث العلمي “رصيناً”؟
عندما يُنشر في مجلة “Nature” أو “Science”، بلغتهم، ومحكماً من قبل محكميهم، ومستشهداً بمراجعهم.
هذا النظام يخلق ما يسميه علماء الاجتماع “التبعية المعرفية”.
نحن نرسل أذكى عقولنا (أفضل رميات نردنا) ليدرسوا في جامعاتهم.
هؤلاء العباقرة يبذلون جهداً خارقاً، ليساهموا في أبحاث تملك براءات اختراعها جامعاتهم وشركاتهم.
ثم نعود نحن لنشتري الدواء، أو التكنولوجيا، أو الحل البرمجي الذي ساهم في صنعه عقل عربي، ولكننا نشتريه كـ “مستهلكين” وبأضعاف الثمن.
في هذا الفندق، نحن لا ندفع المال فقط؛ نحن ندفع بعقولنا.
نحن نقوم بـ “التعهيد الخارجي” (Outsourcing) لعملية التفكير ذاتها. أصبحنا ننتظر منهم أن يخبرونا ما هو “الجديد” في الطب، وما هو “المستقبل” في التكنولوجيا، لنقوم نحن بدور “المطبق” المطيع.
الفندق الثالث: المعايير (مصيدة الهيبة)
الفندق الثالث هو الأكثر مكراً، لأنه غير مرئي. إنه فندق “المعايير والجوائز”.
في نظرية الألعاب، اللاعب الذي يحدد “معايير الفوز” هو الذي يوجه سلوك الجميع.
الغرب وضع معايير النجاح الحضاري: جوائز نوبل، جوائز الأوسكار، تصنيفات الجامعات، معدلات النمو الاستهلاكي.
عندما يسعى الروائي العربي للكتابة بطريقة ترضي لجان تحكيم الجوائز العالمية، هو يغير جلده ولغته وقضاياه ليرضى عنه “المصمم”.
وعندما تسعى الجامعات العربية لدخول تصنيف “شنغهاي” أو “QS”، فهي تضطر لتغيير مناهجها وأولوياتها البحثية لتطابق المعايير الغربية، حتى لو كانت تلك المعايير لا تخدم البيئة المحلية.
نحن نلهث لنحصل على “نجمة” يضعونها هم على كراساتنا.
وهذا اللهث يضمن بقاءنا دائماً في خانة “التلميذ” الذي ينتظر رضا “الأستاذ”.
المعادلة الصفرية
إذن، بالعودة إلى طاولة “بنك الحظ”..
عندما تدرك أن خصمك يملك البنك (المال)، ويملك الفنادق (المعرفة)، ويضع القواعد (المعايير).. هل لا زلت تعتقد أن الحل هو “أن ترمي النرد وتدعو”؟
هل الحل هو أن تعمل ساعات إضافية لتجمع المزيد من أوراقهم؟
في نظرية الألعاب، هذه تسمى “لعبة سالبة المجموع” (Negative Sum Game) بالنسبة لك.
كل جهد تبذله داخل هذا النظام، يصب في النهاية في تقوية النظام الذي يقيدك.
قد تقول: “ولكن يا دكتور، هذا كلام محبط! هل يعني هذا أن نتوقف عن العمل؟”
لا. العمل والاجتهاد واجب، ولكنه ليس الحل الجذري.
الحل يبدأ بأن نتوقف عن لعب دور “اللاعب رقم 2” المطيع.
الحل يبدأ بإدراك أننا نحتاج إلى بناء “طاولتنا الخاصة”، وبنكنا الخاص، ومعاييرنا الخاصة.
قد يبدو هذا مستحيلاً الآن، ونحن نرى ناطحات السحاب والأضواء المبهرة في مدننا التي تشبه مدنهم.
ولكن… هل هذه المدن حقيقية؟ أم أنها مجرد “قشور” نختبئ خلفها؟
صانع القواعد وتابعها
دعنا نترك “الفنادق” و”الأموال” جانباً للحظة.
ففي النهاية، المال مجرد ورق، والعقارات مجرد حجارة.
القوة الحقيقية في أي نظام ليست في امتلاك الأشياء، بل في امتلاك “المسطرة” التي نقيس بها قيمة الأشياء.
في البيروقراطية الحكومية، الرجل الأقوى ليس هو الأذكى، ولا الأغنى، ولا الأكثر اجتهاداً.
الرجل الأقوى هو الموظف الذي يملك “الختم”.
هو الذي يملك سلطة أن يقول لورقتك: “مقبولة” أو “مرفوضة”.
بدون ختمه، مجهودك لا يساوي شيئاً.
بدون ختمه، حقيقتك تظل مجرد ادعاء.
في “لعبة الأمم”، الغرب فعل ما هو أذكى بكثير من مجرد احتلال أراضينا عسكرياً (وهو ما فعله وفشل فيه سابقاً).
لقد نجح في احتكار “الختم”.
لقد نصب نفسه في موقع “المُصادق الحصري” لكل ما هو “حق” و”خير” و”جميل” و”ناجح” في هذا العالم.
وهنا نصل إلى أعمق نقطة في مأساتنا كـ “اللاعب رقم 2”:
نحن لا نلعب لنفوز.. نحن نلعب لنحصل على ختمهم.
1. “العلم” ليس علماً حتى نرضى عنه
لنأخذ المجال الأكاديمي والعلمي كمثال صارخ.
في العصر الذهبي (الذي سنفصله لاحقاً)، كان العالم المُسلم يملك “سيادة معرفية”.
ابن الهيثم لم يكن ينتظر موافقة جامعة في “أثينا” أو “روما” لكي يثبت أن نظريته في البصريات صحيحة.
كان يثبتها بالتجربة (Empiricism)، وكان المجتمع العلمي في بغداد والقاهرة ودمشق يمنحه الاعتراف بناءً على قوة حجته.
اليوم، تغيرت قواعد اللعبة جذرياً.
لقد صمم الغرب آلية تجعل العلم حكراً على منصاتهم.
تخيل باحثاً عربياً عبقرياً في القاهرة أو الرياض. يقضي سنوات في المعمل، يكتشف علاجاً أو نظرية جديدة.
هل يعتبر هذا “علماً”؟
ليس بعد.
في عرف المجتمع الأكاديمي (الذي نحن جزء منه)، هذا الاكتشاف “لا وجود له” حتى يُنشر في مجلة “Nature” أو “Science” أو إحدى الدوريات الغربية الكبرى.
لكي يحدث هذا، يجب على هذا الباحث العربي أن:
يكتب بحثه بلغتهم (الإنجليزية)، مما يفرض عليه “ضريبة معرفية” (Cognitive Tax) هائلة لا يدفعها الباحث الأمريكي الذي يكتب بلغته الأم.
تعريف: الضريبة المعرفية هي استنزاف الوقت والتركيز والطاقة الذهنية بسبب معلومات أو أنظمة معقّدة أو سيئة التصميم، ما يجبرك على بذل جهد إضافي لفهمها واتخاذ قرار.
نتيجتها: إرهاق، اختيارات سريعة، أقل جودة، وأقل قابلية للاستمرار.
يصيغ أفكاره وفق قوالبهم الفكرية.
يستشهد بمراجعهم (Citation Game)، مما يرفع من شأن علمائهم ويهمش علماءنا.
يخضع لتقييم محكميهم، الذين قد يتحيزون ضده (بقصد أو بدون قصد) لأنه “من خارج النادي”.
إذا نجح في كل هذا، وحصل على “الختم” (النشر)، من الذي يحصد المجد؟
المجلة الغربية التي نشرت البحث تزيد شهرتها.
الجامعة الغربية التي يتبع لها (إذا كان مبتعثاً) تسجل براءة الاختراع.
أما هو.. فيعود لبلده سعيداً بـ “صك الغفران” الذي سمح له بالترقية الوظيفية.
نحن هنا نعمل كـ “عمال مناجم”.
نستخرج الخام (البيانات، الأفكار، العقول)، ونرسله إليهم ليقوموا هم بـ “تكريره” وختمه، ثم يعيدونه إلينا كـ “حقائق علمية” نشتريها بكتبهم ومراجعهم.
هل رأيت كيف يعمل “تصميم الآلية”؟
القاعدة تقول: “أنت ذكي فقط إذا اعترفنا نحن بذكائك.”
2. فخ “الجوائز” (عقدة النقص الحضارية)
الأمر لا يتوقف عند العلوم الصلبة، بل يمتد للأدب والفن والسلام.
لماذا نحتفل بجنون عندما يحصل عربي على جائزة “نوبل”؟
أو عندما يترشح فيلم عربي لـ “الأوسكار”؟
قد تقول: “لأنها جوائز عالمية”.
ولكن، من جعلها عالمية؟
إنها لجنة سويدية-نرويجية صغيرة (لنوبل) أو أكاديمية أمريكية (للأوسكار)، تملك ذوقاً خاصاً، وأجندة خاصة، ومعايير خاصة جداً.
عندما نجعل هذه الجوائز هي “المعيار الأسمى” للنجاح، نحن نخبر أدباءنا ومبدعينا رسالة ضمنية خطيرة:
“لا تكتبوا لنا.. اكتبوا لهم.”
“لا تعالجوا قضايانا بعمقنا المحلي.. عالجوها بالطريقة التي يفهمها ويحبها الرجل الأبيض في ستوكهولم أو هوليوود.”
وهكذا، يتحول المبدع العربي من “صوت لأمته” إلى “مترجم لثقافته”.
يصبح همّه أن يشرحنا لهم، أن يبررنا لهم، أو أن ينتقدنا ليرضيهم.
يتحول الأدب من “فعل مقاومة وبناء” إلى “فعل استجداء”.
في نظرية الألعاب، هذا يسمى “تغيير دالة الهدف” (Altering the Payoff Function).
بدل أن يكون هدف اللاعب (نحن) هو “نهضة الأمة” أو “رضا الله” أو “خدمة المجتمع”، يصبح الهدف هو “التصفيق الغربي”.
وبمجرد أن يتغير هدفك، تصبح حركتك كلها ملكاً لمن يملك الجائزة.
3. علم النفس وراء “تابع القواعد”
لماذا نفعل هذا بأنفسنا؟
لماذا، ونحن نملك القرآن (الذي هو أعلى معيار للحق)، ونملك تاريخاً طويلاً من السيادة، نلهث خلف “ختم” الغرب؟
الإجابة شرحها مؤسس علم الاجتماع المسلم ابن خلدون في كتابه “المقدمة” قبل قرون، في قانونه المرعب:
“المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده.”
يرى ابن خلدون أن النفس البشرية تعتقد دائماً بـ "الكمال" فيمن غلبها. هذا الاعتقاد ينشأ إما بسبب تعظيم الغالب، أو لأن المغلوب يغالط نفسه بأن هزيمته لم تكن لضعف فيه، بل لتفوق وكمال "طبيعي" في الغالب، فيحاول محاكاة سماته ليصل إلى ذلك الكمال المزعوم.
600 عام قبل ظهور مصطلح “متلازمة ستوكهولم“ حتى لو أختلف المفهوم قليلاً.
إنها هزيمة نفسية قبل أن تكون هزيمة تقنية.
عندما تُهزم أمة عسكرياً وحضارياً لفترة طويلة، يتسرب الشك إلى نخاع عظامها.
تبدأ في الاعتقاد أن “طريقتها” في الحياة خاطئة، وأن “طريقة المنتصر” هي الحق المطلق.
يصبح “المحلي” مرادفاً لـ “الرديء”.
ويصبح “المستورد” مرادفاً لـ “الممتاز”.
هذا الشك الذاتي هو الوقود الذي يغذي “لعبة المصادقة”.
نحن لا نثق في تقييمنا لأنفسنا. نحتاج إلى “الأب الأبيض” ليقول لنا: “أحسنت”.
4. الكلفة الباهظة للتبعية
ما ثمن أن تكون “تابع القواعد” (Rule Taker)؟
الثمن هو أنك تظل دائماً وأبداً في خانة “رد الفعل”.
صانع القواعد (Rule Maker) يقرر أن “الذكاء الاصطناعي” هو المستقبل؟ نحن نركض لنشتري خوادمهم.
صانع القواعد يقرر أن “تغير المناخ” هو الأولوية؟ نحن نوقف مصانعنا (التي نحتاجها للنمو) لنرضي معاييرهم البيئية، بينما هم بنوا حضارتهم بحرق الفحم لقرون.
صانع القواعد يقرر أن “الأسرة التقليدية” مفهوم رجعي؟ نحن نبدأ في تغيير مناهجنا الدراسية.
نحن في حالة “لهاث” دائم.
واللاهث لا يمكنه أن يفكر. واللاهث لا يمكنه أن يخطط. واللاهث.. لا يمكنه أن يقود.
من “التابع” إلى “السيد”
إذا، ما هو الحل؟
هل الحل أن ننعزل عن العالم؟ بالطبع لا.
العصر الذهبي لم يكن منعزلاً، كان منفتحاً جداً، لكنه كان منفتحاً بصفته “سيداً” وليس بصفته “تابعاً”.
الخطوة الأولى لكسر هذا الفخ ليست تقنية، بل نفسية.
يجب أن نتوقف عن البحث عن “الختم”.
يجب أن نمتلك الجرأة لقول:
“هذا بحث علمي ممتاز، حتى لو لم تنشره Nature.”
“هذا أدب عظيم، حتى لو لم يترجم للإنجليزية.”
“هذا نظام اقتصادي أسلامي ناجح، حتى لو خالف توصيات صندوق النقد.”
عندما نسحب “سلطة المصادقة” منهم ونعيدها إلى أيدينا (أو بالأحرى، نعيدها إلى معاييرنا الأصلية)، حينها فقط تبدأ اللعبة الحقيقية.
حينها نتحول من “لاعبين” على طاولتهم، إلى “بنائين” لطاولتنا.
ولكن..
حتى لو امتلكنا الجرأة النفسية، هل نملك “القدرة” الواقعية؟
ألا ترى مدننا الحديثة؟ ألا ترى جامعاتنا الجديدة؟ ألسنا نحاول؟
للأسف، ما تراه في مدننا اليوم ليس “بناءً للطاولة الخاصة”.
إنه أسوأ أنواع الفخاخ على الإطلاق.
إنه ما أسميه “لعنة النسخ الفارغ”.
في القسم القادم، سنتحدث عن “دبي” وعن “جامعاتنا”، وعن لماذا يعتبر تقليد الناجح.. هو أسرع طريق للفشل.
لعنة “المحاكاة”
لنتوقف قليلاً عن لوم “صانع اللعبة”، ولننظر إلى أنفسنا في المرآة.
إذا تجولت اليوم في دبي، أو الدوحة، أو الأجزاء الحديثة من الرياض والقاهرة، ستصاب بالدوار.
ناطحات سحاب تناطح الغيم، شوارع نظيفة، بنية تحتية رقمية، ومباني جامعية تبدو وكأنها اقتطعت من قلب “بوسطن” أو “لندن”.
للوهلة الأولى، يبدو أننا نجحنا.
يبدو أننا “لحقنا بالركب”.
نحن نرتدي مثلهم، ونبني مثلهم، ونتحدث لغتهم، ونستخدم تقنياتهم.
ولكن.. إذا كنا نملك كل هذا “المظهر” الحديث، لماذا لا نزال نشعر في قرارة أنفسنا (وتؤكد الأرقام هذا الشعور) بأننا لا نزال في الخلف؟
لماذا، رغم كل هذه المباني الزجاجية، لا نزال نحن المستهلكين وهم المنتجين؟
لماذا لا نزال نحن “المفعول به” في الجملة الحضارية، وهم “الفاعل”؟
الإجابة تكمن في مصطلح معقد في علم الاجتماع، سأبسطه لك لأنه يشرح مأساتنا بدقة جراحية:
“التماثل المحاكاتي” (Mimetic Isomorphism).
عندما ينسخ الضعيف القويَّ
هذا المفهوم يقول ببساطة:
في أوقات انعدام اليقين، عندما لا تعرف المؤسسات (أو الدول) كيف تنجح، فإنها تلجأ لا شعورياً إلى تقليد المؤسسات الناجحة.
نحن، بعد صدمة الاستعمار وتخلفنا التقني، أصبنا بحالة من “عدم اليقين الحضاري”.
تماماً كما لاحظ العالم إبن خلدون قبل مئات الأعوام ما حدث للأُمم الاٌخرى.
لم نعد نعرف من نحن.
فماذا فعلنا؟ فعلنا ما يفعله التلميذ الخائف: نظرنا إلى ورقة الطالب المتفوق وبدأنا في نسخ إجاباته.
بنينا جامعات تشبه جامعاتهم.
صممنا بنوكاً تشبه بنوكهم.
لبسنا بدلات تشبه بدلاتهم.
ولكننا وقعنا في “فخ الشكل مقابل الوظيفة” (Form vs. Function).
لقد نسخنا “القشرة” الخارجية للنظام الغربي، لكننا لم ننسخ “نظام التشغيل” الداخلي الذي جعل هذه المؤسسات تعمل في المقام الأول.
دعنا نأخذ مثالين مؤلمين لتوضيح هذه الفكرة: الجامعات، والاقتصاد.
1. الجامعات: هياكل بلا روح
انظر إلى جامعاتنا العربية الحديثة.
المباني أفخم من مباني “هارفارد”. المعامل مجهزة بأحدث أجهزة استوردناها من ألمانيا. المناهج مترجمة حرفياً من أحدث الطبعات الأمريكية.
نظرياً، يجب أن نكون الآن منارة للبحث العلمي.
عملياً؟ نحن خارج التصنيف الحقيقي للتأثير.
ما السبب؟
لأن الجامعة الغربية لم تنجح بسبب “المبنى” أو “الميكروسكوب”.
الجامعة الغربية هي نتاج قرون من “نظام تشغيل” ثقافي يقوم على: حرية البحث المطلقة، التفكير النقدي الجذري، القدرة على تحدي السلطة العلمية، والمخاطرة برأس المال من أجل أفكار مجنونة.
نحن استوردنا “المبنى” (الشكل)، لكننا وضعناه في بيئة ثقافية وإدارية بيروقراطية تخاف من التجديد، وتعشق الطاعة، وتكافئ الحفظ لا النقد (الوظيفة المفقودة).
فماذا حدث؟
حصلنا على “مسخ”. مبنى يشبه الجامعة، لكنه يعمل كـ “مدرسة ثانوية كبيرة” تمنح شهادات للموظفين.
لشرح هذا الخلل الجوهري، دعونا نستعير مصطلحاً عبقرياً صاغه الفيزيائي الحائز على نوبل، ريتشارد فاينمان، وهو: “علم عبادة الشحن” (Cargo Cult Science).
القصة حقيقية ومرعبة في دلالتها: أثناء الحرب العالمية الثانية، كانت الجزر النائية في المحيط الهادئ تشهد هبوط طائرات الحلفاء المحملة بالبضائع (Cargo) والمؤن.
السكان الأصليون رأوا الجنود الأمريكيين يضعون سماعات على آذانهم، ويشعلون نيران المدرجات، ويقفون في أبراج المراقبة.. وفجأة، تهبط من السماء كل الخيرات.
بعد انتهاء الحرب، رحل الجنود وتوقفت الطائرات. لكن السكان أرادوا للبضائع أن تعود. فماذا فعلوا؟ لم يفهموا “فيزياء الطيران” ولا “اللوجستيات العالمية”.
هم فقط رأوا “الشكل”.
لذا، قاموا بصناعة سماعات من الخشب ووضعوها على آذانهم، وبنوا أبراج مراقبة من الخيزران، وأشعلوا النيران على جانبي مدرج وهمي، ووقفوا ينتظرون.
المشهد يبدو مضحكاً ومأساوياً: كل شيء يبدو صحيحاً من الخارج. الشكل مطابق تماماً لما كان يفعله الأمريكيون. ولكن الطائرات لم تهبط أبداً.
لماذا حدث هذا؟ لأنهم نسخوا “الطقوس” ولم يمتلكوا “الأسباب”.
نسخوا النتيجة النهائية (المدرج)، وتجاهلوا النظام الخفي الذي يجعل المدرج يعمل (الهندسة، الاتصالات، الاقتصاد).
انظر الآن إلى واقعنا، وستختفي الابتسامة :(
الشكل صحيح. الوظيفة مفقودة.
بنينا مدرجات من الخرسانة، ولا زلنا ننتظر طائرة “النهضة” التي لم تهبط.
2. الاقتصاد: الملصق الإسلامي
المثال الثاني أكثر حساسية، لكنه ضروري لفهم عمق الأزمة: النظام المالي.
حاولنا في العقود الأخيرة بناء “اقتصاد إسلامي”.
الفكرة الأصلية للاقتصاد الإسلامي (في العصر الذهبي) كانت ثورية: عملة ذهبية لا تتضخم، نظام وقف يحمي الثروة من الدولة، ونظام “مشاركة المخاطر” بدلاً من الديون.
لكن، لأننا نلعب في “ملعبهم” (بنك الحظ الذي يملكونه)، لم نستطع تطبيق نظامنا.
فماذا فعلنا؟ لجأنا من جديد للمحاكاة.
أخذنا البنك الغربي الربوي كما هو.
أخذنا هيكله، ومنتجاته القائمة على الديون.
ثم قمنا بـ “هندسة عكسية” لتغيير المصطلحات.
بدل “الفائدة”، أسميناها “مرابحة”. بدل “السندات”، أسميناها “صكوك”.
لكن في جوهرها الميكانيكي؟ المال لا يزال يولد المال دون مخاطرة حقيقية. الفقير لا يزال يزداد فقراً بالديون، والغني يزداد غنى بالأصول.
لقد أنتجنا “نسخة” من بنوكهم، لكن بملصق إسلامي.
لم نقدم للعالم بديلاً حقيقياً عن الرأسمالية المتوحشة. قدمنا “رأسمالية حلال”.
لم نغير اللعبة.. نحن فقط استأذنا منهم لنرتدي قبعتنا الخاصة أثناء اللعب على طاولتهم.
لماذا النسخة دائماً أسوأ؟
هنا نصل إلى الحقيقة الرياضية في نظرية الألعاب التي تحكم “اللاعب المقلد”.
القاعدة تقول: “النسخة المقلدة هي دائماً، وبالتعريف، أقل جودة من الأصل.”
عندما تقلد الغرب، أنت تضع نفسك تلقائياً في خانة “التابع”.
أنت تنتظرهم ليصدروا “الآيفون الجديد”، لتصنع أنت غطاء له.
أنت تنتظرهم ليكتشفوا “الذكاء الاصطناعي”، لتبدأ أنت في تدريس كورسات عنه.
في سباق المسافات الطويلة، إذا كنت تضع قدمك مكان قدم المتسابق الأول تماماً، فأنت:
لن تسبقه أبداً (لأنك خلفه).
ستتعب أكثر منه (لأنك تبذل جهداً في التركيز على خطواته بدلاً من التركيز على الطريق).
إذا سقط هو في حفرة، ستسقط أنت خلفه مباشرة.
هذه هي حالتنا اليوم.
نحن نعيش “حداثة مستعارة”.
ناطحات سحابنا بناها مهندسوهم.
جامعاتنا تدرس كتبهم.
أموالنا مربوطة بعملتهم.
نحن “لاعب رقم 2” بامتياز.
واللاعب رقم 2 قد يعيش حياة مريحة، وقد يأكل جيداً من فتات مائدة اللاعب رقم 1 لكنه لا يملك مصيره.
وإذا قرر “الأدمن” اقصاءك من المجموعة، أو تغيير القواعد، فإن اللاعب رقم 2 يتبخر في لحظة.
هل الصورة سوداوية تماماً؟
أعرف أن هذا الكلام ثقيل. عيناي والله تفيضان بالدموع. وربما عيناك كذلك؟
تشعر الآن بضيق في الصدر وتقول في نفسك “هل يعني هذا أننا انتهينا؟”
لا. لكي نتحرر، يجب أولاً أن نعترف بأننا مسجونون.
يجب أن نعترف بأن “الطريق الذي نركض فيه الآن” هو طريق مسدود، لأنه طريقهم هم، وليس طريقنا.
قد يجادل البعض: “يا دكتور، أنت تبالغ. نحن لدينا إنجازات! لدينا علماء! لدينا أموال!”
صدقني، أنا لا أكتب هذا لأجلك. أنا أكتبه لأجلي أيضاً. أنا أيضاً أريد أن أصدق أننا “بخير”.
أريد أن أصدق أن ناطحات السحاب الزجاجية في مدننا تعني أننا نملك القوة. أريد أن أصدق أن شهاداتنا الجامعية لها نفس وزن شهاداتهم.
لكن “نظرية الألعاب” لا تهتم بمشاعرنا. والرياضيات لا تجامل.
في الطب، القاعدة الأولى للعلاج هي “التشخيص الصحيح”.
إذا كان المريض مصاباً بالسرطان، وأخبرته أنه مصاب بالزكام فقط لكي لا تجرح مشاعره فأنت لا ترحمه. أنت تقتله. ونحن، كأمة، كنا نتناول “مسكنات” (تفاؤل زائف، خطب رنانة، أمجاد الماضي) بينما المرض ينخر في العظم.
دعنا نترك الآن الفلسفة جانباً.
دعنا نتحدث بلغة لا تكذب ولا تجامل. لغة الأرقام.
في الرسالة القادمة، سأضع أمامكم “كشف الحساب”.
سنقارن بين أُمتنا ال2 مليار ، وبين مجموعة بشرية صغيرة (لا تتجاوز 15 مليوناً) استطاعت أن تكسر اللعبة وتفرض شروطها.
سننظر إلى براءات الاختراع. إلى جوائز نوبل. إلى حجم التأثير في الاقتصاد الرقمي.
الأرقام ستكون صادمة.
ولكن خلف تلك الصدمة، يكمن مفتاح الحل.
جهزوا أنفسكم، فالصورة ستكون مؤلمة.
شكراً لوصولك إلى هنا. وقتك وانتباهك هما أغلى ما تملك، وأقدر أنك منحتهما لي.
إذا وجدت قيمة في هذه الرسالة، سأكون ممتناً لو شاركتها مع دائرتك المقربة. وإذا كان لديك تعقيب أو نقد، فقط اضغط Reply وأرسل لي. أنا أقرأ كل الرسائل.
دمت بخير،
عصام شهلول






نحن غارقون ليس الا
العالم الثالث ، وفقا لما اختزلوه من معايير
نحتاج حاضنة " دولة ، حركة ، قوى اقتصادية " تتحمل عبء البداية فقط
رغم ما تغلغل فينا من شعارات تجعل تحدينا الداخلي ، عقبة تعيقنا عن التخطيط للتحدي الحقيقي الخارجي
سلم فكرك
👏 لا تعليق مقال تحفة